أحمد بن محمود السيواسي

30

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 7 ] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) ( خَتَمَ اللَّهُ ) أي طبع اللّه بضرب الخاتم ( عَلى قُلُوبِهِمْ ) وقفلها بخذلانه « 1 » لئلا ينفذ الحق فيها من قبل إعراضهم عنه في الظاهر واستكبارهم عن قبوله مجازاة لكفرهم ، والقلب : قطعة لحم مشكل بالشكل الصنوبري معلق بالوتين مقلوبا ، وإسناد الختم إلى اللّه للتنبيه على أن إباءهم عن قبول الحق كالشئ الخلقي غير العرضي ( وَعَلى سَمْعِهِمْ ) أي على مواضع سمعهم ، فهم لا يسمعون الحق ولا ينتفعون به ، وإنما وحد السمع مع أنه مضاف إلى ضمير الجمع لأنه مصدر أو لأمن اللبس كما في قوله كلوا في بعض بطنكم « 2 » ، أي بطونكم ، إذ البطن لا يشترك فيه ، وكرر « على » للدلالة على شددة الختم في الموضعين ( وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) برفع التاء مبتدأ وخبر ، والبصر : نور العين ، يبصر به الشئ « 3 » ، أي استقر على أبصارهم غطاء أيّ غطاء ، يعني غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامى عن آيات اللّه تعالى ، فلا يبصرون الهدى بالنظر والاستدلال ( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) [ 7 ] أي لهم من بين الآلام نوع عظيم دائم في الآخرة ، لا يعلم كنهه إلا اللّه ، وال « عذاب » : هو العقاب الذي يرتدع به الجاني عن العود إلى الجناية ، وال « عظيم » : ضد الحقير كما أن الكبير ضد الصغير ، ويستعملان في الجواهر والأعراض . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) قوله ( وَمِنَ النَّاسِ ) إلى ثلاث عشرة آية ، عطف على قصة الكافرين ، نزل : في شأن المنافقين من اليهود كعبد اللّه بن سلول وأصحابه « 4 » ، فإنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام ليسلموا من المؤمنين ، ف « من » للتبعيض ، أي منهم ( مَنْ يَقُولُ ) أي ناس يقرون « 5 » باللسان ( آمَنَّا ) أي صدقنا ( بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) أي الوقت الدائم الذي هو آخر الأوقات المنقضية ، والمراد به البعث ، واختص الإيمان باللّه واليوم الآخر بالذكر لأنهم أوهموا فيه أنهم أحاطوا الإيمان بأوله وآخره ، أي المبدأ والمعاد ، فوجب أن يكون مؤمنين جزما بالإيمانين ، ولذلك كرروا الباء في دعويهم على وجه الصحة والاستحكام ، والواو للحال في ( وَما هُمْ ) أي ليسوا ( بِمُؤْمِنِينَ ) [ 8 ] أي بمصدقين باللّه لقولهم : عزير بن اللّه ، ولا بمصدقين « 6 » بالبعث ، لأنهم اعتقدوا « 7 » على خلاف صفته لقولهم : إن الآخرة لا أكل فيها ولا شرب ولا نكاح ونعيمها ينقطع ، وفي الحكم عليهم بأنهم ليسوا بمؤمنين نفى ما ادعوه على سبيل البت والقطع ، لأنه نفى أصل الإيمان منهم بادخال الباء في خبرها ، ولذا لم يقل : وما هم من المؤمنين ، فان الأول أبلغ من الثاني ، و « من » موصوفة إن كانت اللام في الناس للجنس ، وموصولة إن كانت للعهد ، لأن الكافر عام شامل للفريقين المصرين في الكفر وغير المصرين ، ثم خص بقوله « خَتَمَ اللَّهُ » ، وخص هنا بقرينة أخرى بالمنافقين ، وهي توحد وتجمع نظرا إلى اللفظ والمعنى ، فلذا قال : « يقول وما هم » ، والباء زائدة لتأكيد النفي كما في خبر ليس ، المعنى : أن بعض الناس يدعون الإيمان وهم كاذبون في دعويهم ذلك ، وبين ذلك بقوله ( يُخادِعُونَ اللَّهَ ) أي يخالفون اللّه أو نبي اللّه ، وذكر اللّه تحسين ( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أي يخالفون « 8 » المخلصين في إيمانهم باظهار الإيمان باللسان وستر الكفر في القلب ، وأصل الخدع الستر ، ولذا يقال للمخزن مخدع ، والمفاعلة هنا من واحد ، وإنما عدل إليها « 9 » لقوة الداعي إلى نفس الفعل كعاقبت اللص ( وَما يَخْدَعُونَ ) بالألف المفاعلة من

--> ( 1 ) بخذلانه ، ب س : بالخذلان ، م . ( 2 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 1 / 31 . ( 3 ) والبصر نور العين يبصر به الشئ ، ب : - س م . ( 4 ) نقله عن البغوي ، 1 / 41 . ( 5 ) يقرون ، ب س : يقر ، م . ( 6 ) ولا بمصدقين ، ب س : ولأنهم ليسوا بمصدقين ، م . ( 7 ) اعتقدوا ، س م : اعتقدوه ، ب . ( 8 ) يخالفون ، ب س : - م . ( 9 ) وإنما عدل إليها ، ب : - س م .